منتدى الخفاجيه
ألسلام عليكم ورحمة ألله وبركاته

مرحبا بك زائرنا ألفاضل فى منتدى الخفاجيه
سعدنا بزيا رتك ونتشرف بتسجيلك
نتمنى لك مرورا طيب

وأعلم أخى ألفاضل أكرمك ألله
أن
(( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ))

مع تحيات إدارة المنتدى



 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ننوه عناية حضراتكم أن ألمنتدى للتواصل وأن معظم ماورد به منقول للفائدة وألمنفعة فإن كان صواب فمن الله وحده وإن كان هناك نقص فمنا وألشيطان
يمنع منعاً باتاً نشر مواضيع تتعلق بالسياسة والاديان والملل وسيتم حذف المواضيع المخالفة وستضطر ادارة المنتدى لحذف العضوالمخالف لقوانين المنتدى
ألسلام عليكم يا زائر منورالمنتدى
عددأعضاء المنتدى 1052
الرقم القياسى للأعضاء المتواجدين فى نفس الوقت كان 490 بتاريخ الأربعاء 21 مارس 2012, 7:39 pm

آخرعضومسجل هو مصطفي أحمد خفاجه فمرحباً به

شاطر | 
 

 ابوبكر الصديق 3

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
احمد كمال سيد خفاجى
إدارة ألمنتدى

إدارة ألمنتدى
avatar


مصر
ذكر
العمر : 45
برج : الثور
عدد المساهمات : 21
نقاط : 66
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 08/06/2011


شكراًلك لزياتك لصفحتى


مُساهمةموضوع: ابوبكر الصديق 3   الخميس 07 يوليو 2011, 12:30 pm

شموقف الصديق فى قضية أسرى بدر :
بدأت غزوة بدر طلباً للعير .. واحتمال القتال الناشب عن الدفاع عن العير .. وكان عدد المسلمين أكبر بكثير من المشركين الذين وكل إليهم المحافظة على أموال التجارة التى حاول المسلمون التعرض لها .. وأخذها عنوة واقتدار ولذا قال الرسول لهم :
" هذه عير قريش فيها أموالهم لعل الله أن ينفلكموها "
فأسرع من أسرع إلى ذلك وأبطأ عنه بشر كثير وانتهى الأمر بعد خروج المسلمين إلى أن يصبح مواجهة قريش بعدد من المقاتلين يزيد على ثلاثة أضعاف عدد المسلمين . مع كثرة فى العدد والسلاح .
واستشار الرسول الصحابة فى هذا الموقف الجديد .. واستقر على خوض معركة غير متكافئة حقق الله لهم فيها النصر المؤزر ..
وقتل فيها من قتل من صناديد قريش وعتاولة التعذيب مثل أبى جهل وعتبة وشيبة وغيرهم ..
وأسر المسلمون الكثير من المشركين .
وفرق الرسول عليه السلام الأسرى بين أصحابه وقال لهم :
" استوصوا بهم خيرا "
وبدأ التشاور :
" أيقتلهم أم يأخذ منهم الفداء ؟
وتمخض التشاور عن رأيين ..
فقد بعث الأسرى إلى أبى بكر يبدون استعدادهم للفدية لأنه أولى قريش لأرحامهم وأكثرهم رحمة وعطفا .. وليس أحد آثر منه عند محمد ..
ولقد خاف الأسرى رأى عمر لما هو معروف لهم عنه
رأى أبى بكر :
وقف أبو بكر أمام الرسول يدافع عما يرى فى قضية الأسرى فيقول :
يا رسول الله ..
بأبى أنت وأمى !
قومك فيهم الأباء والأبناء والعمومة وبنوا العم والإخوان ..
وأبعدهم منك قريب ..
فامْنُنْ عليهم مَنَّ الله عليك ..
أو فادهم (تقبل منهم الفداء) ..
يستنقذهم الله بك من النار
فتأخذ منهم ما أخذت قوة للمسلمين فلعل الله أن يقبل بقلوبهم على الإسلام
وسكت الرسول ليسمع رأى عمر ..
وجاء عمر فجلس مجلس أبى بكر وقال :
يا رسول الله ..
هم أعداء الله .. كذبوك وقاتلوك و أخرجوك
اضرب رقابهم .. هم رءوس الكفر .. وأئمة الضلالة
يوطئ الله بهم الإسلام ..
ويذل بهم أهل الشرك
ولم يُجِبْ الرسول
فعاد أبو بكر يتلطف ويستعطف ..
ويذكر القرابة والرحم ..
ويرجو لهم الهدى إن أُبقى على حياتهم
وعاد عمر إلى رأيه الحاسم فى ضرورة قتلهم
وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل قبته ليختلى بنفسه ساعة ..
ثم خرج فوجد الناس .. بعضهم فى صف أبى بكر والآخر فى صف عمر رضى الله عنهما ..
فشاور الناس فيما يصنع ..
وضرب لهم الأمثال فى أبى بكر وعمر
فقال :
إن مثل أبى بكر كمثل إبراهيم ..
كان ألين على قومه من العسل .
قَدَّمَه قومُه إلى النار وطرحوه فيها
فما زاد على أن قال كما جاء فى كتاب الله تعالى :
" أفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون " 21/67
وكما قال :
" فمن تبعنى فإنه منى ومن عصانى فإنك غفور رحيم " 14/36
ومثله فى الأنبياء كمثل عيسى إذ يقول :
" إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " 5/118
ومثل أبى بكر فى الملائكة كمثل ميكال ..
ينزل برضا الله وعفوه عن عباده
ــــــــ
ومثل عمر فى الملائكة كمثل جبريل ينزل بالسخط من الله والنقمة على أعداء الله ومثله فى الأنبياء كمثل نوح إذ يقول :
" رب لا تَذَرْ على الأرض من الكافرين ديَّارا "
وكمثل موسى إذ يقول :
" ربنا اطمس على أموالهم وأشدد على قلوبهم حتى يروا العذاب الأليم "
10/88
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" وإن بكم عيلة .. فلا يفوتنكم رجل من هؤلاء إلا بفداء أو ضربة عنق . "
وظل المسلمون فى تشاورهم زمناً
انتهوا بعده إلى قبول الفداء
ـــــــــــ
وقضية الأسرى إلى الوقت الذى انتهى فيه المسلمون إلى قبول الفداء هى
قضية عادية طرحت للبحث على مستويات متعددة .. طرحت على كبار الصحابة وطرحت على عامة المسلمين واتخذ فيها الرأى بقبول الفداء لكن الذى جعل لهذه القضية أهمية غير عادية أن نزل فيها قرآن كريم يتلى حتى آخر الزمان ..
قال تعالى :
" ما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم " 8/67
ــــــــــ
" لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم " 8/68
ـــــــــــ
" فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً واتقوا الله إن الله غفور رحيم " 8/69
ـــــــــــ
يا أيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى إن يعلم الله فى قلوبكم خيراً يؤتكم خيراً مما أخذ منكم ويغفر لكم إن الله غفور رحيم " 8/70
وبالتأمل فى الآيات السابقة ..
نلحظ :-
- أنها لم تحرم على الرسول الخيار بين الفداء أو القتل فقد روى عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة .
- " وقد استمر الحكم فى الأسرى عند جمهور العلماء .. أن الإمام مخير فيهم إن شاء قتل كما فعل ببنى قريظة وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسرى بدر أو بمن أسر من المسلمين كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الجارية وأبنتها اللتين كانتا فى سبى سلمة بن الأكوع حيث ردهما وأخذ فى مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين
وإن شاء استرق من أسر "
ابن كثير
- إن الآيات السابقة ترفض أن تكون الغنائم هى الهدف الأساسى الذى يدفع المسلمين إلى ساحات الجهاد فى سبيل الله وتستنكر عليهم ذلك بدليل قوله تعالى : " تريدون عرض الدنيا "
فإرادة عرض الدنيا هى المرفوضة من جانب الحق تبارك وتعالى ، أما إذا خاض المسلمون المعارك جهاداً فى سبيل الله وتمخط القتال عن غنائم فإن حقهم فى الغنائم لا غبار عليه.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبل ..
- نصرت بالرعب مسيرة شهر
- وجُعِلَت لى الأرض مسجداً وطهورا
- وأُحِلَّت لى الغنائم ولم تُحَل لأحد قبلى
- وأُعْطِيتُ الشفاعة
- وبعثتُ إلى الناس عامة "
وما أروع رسول الله وأعدله واحكمه حينما ضرب الأمثلة لأبى بكر وعمر من الملائكة ومن الرسل السابقين :
فميكال وإبراهيم وعيسى عليهم السلام أمثلة لطاعة الله تعالى فى صورة الرفق والعطف ، وجبريل ونوح وموسى عليهم السلام أمثلة لطاعة الله تعالى فى صورة الشدة والعنف والجميع يعمل فى طاعة الله تعالى ولا يخرج عليها
وأحسب أن لين أبى بكر ورفقه كان متجهاً إلى أولئك الذين يرجى إيمانهم ومن الأسرى من أعلن إسلامه فعلاً مثل العباس بن المطلب وأبو العاص بن الربيع وسهيل بن عمر وغيرهم ..
وأحسب أن شدة عمر كانت منصرفة إلى أولئك الذين نكلوا بالمسلمين ولا ترجى توبتهم .
وفى الحديث الشريف : " لأن يهدى الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها أو من حمر النعم "
ويكفى أن نقول أنه جاء فى تفسير " لولا كتاب من الله سبق " يعنى :
فى أم الكتاب الأول أن المغانم والأسرى حلال لكم أو : " لولا أنى لا أعذب من عصانى حتى أتقدم إليه لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم "
وتجدر الإشارة هنا إلى كلمة "فيما أخذتم" ثم أتى بعد ذلك تحليل الله تعالى لهذه الغنائم التى أخذت فى قوله :
" فكلوا مما غنمتم حلالاً طيبا " ، فما فعله الرسول وما أشار به الصديق صار حلالاً طيباً وليس حلالاً فقط.
ومما يلفت النظر فى مسألة الأسرى وقتلهم أن عمر نفسه الذى كان مثلاً للشدة فى هذا الموضوع قبل الاستثناء فيه بل وسعى إليه :
جاء عن ابن عمر أنه قال :-
" لما أسر الأسرى يوم بدر أسر العباس فيمن أسر ، أسره رجل من الأنصار قال ابن عمر " وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه ، فبلغ ذلك النبى صلى الله عليه وسلم فقال :
" إنى لم أنم الليلة من اجل عمى العباس وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه "
وقال عمر : أفآتهم ، فقال الرسول : " نعم "
فأتى عمر الأنصار فقال لهم : أرسلوا العباس
فقالوا : لا والله لا نرسله
فقال لهم عمر : فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضى
قالوا : فإن كانوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم رضى فخذه
فأخذه عمر ، فلما سار فى يده قال له : يا عباس أسلم ، فوالله لأن تسلم أحب إلى من يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه إسلامك.
ألا نرى أن الوزيرين أبا بكر وعمر يتقاربان … وإن بدا أحدهما رقيقاً ليناً غاية اللين وظهر الآخر شديداً صارماً غاية الشدة والصرامة وفى النهاية إنما يعمل الاثنان فى طاعة الله ورسوله .
إذن فما ورد من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" لو أنزل الله عقاباً فى أنفال بدر ما نجى منا غير عمر أحسب أنه –والله أعلم- يمكن أخذه على الوجه التالى :
إن الآيات القرآنية السابق ذكرها لم توجه لشخص رسول الله فى ذاته لمخالفة أرتكبها الرسول أو أبو بكر أو غيرهما من هذا الفريق الذى أتسم رأيه بالرفق واللين خاصة وأن أبا بكر طلب بداءة وناشد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمن على الأسرى فيطلق منهم من يشاء أن يطلق بلا فداء ، هذا هو الطلب الأساسى ، وكان من الواضح أنه كان يرجوا أن يغير الله ما بهم من مخالفة للحق ويهديهم الله تعالى بهذا المن والعفو إلى الإسلام ..
والآيات السابقة صريحة فى أنها تعنى وتشير إلى أولئك الذين يريدون الحياة الدنيا والله يريد الآخرة أى هم الذين توجهت نيتهم الأساسية إلى الطمع فى الغنائم أى للحياة الدنيا ولقد قيل عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه :
" ما كنت أحسب أن فينا من أهل بدر من يريد الحياة الدنيا قبل نزول هذه الآية المشار إليها .
وإذا كان عبد الله بن مسعود رضى الله عنه لم يظن بنفسه أنه من هؤلاء الراغبين فى الحياة الدنيا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضى الله عنه كانا ممن لا ينطبق عليهم هذا الوصف من باب أولى.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخالف حكماً نزل به القرآن فإن ما جاء فى القرآن الكريم هو : " لمسكم فيما أخذتم .. " وليس لمسكم فيما فعلتم .. ليشمل حرمة التخيير وقد سبق أن رأينا أن حق الوالى فى أن يختار بين الفداء للأسير أو قتله أو استرقاقه هو ما أستقر عليه رأى جمهور الفقهاء.
كذلك قول الله تعالى : " لولا كتاب من الله سبق " تفيد أن ما حدث كان هو القائم والثابت فى علم الله والمسجل باللوح المحفوظ وأنه كان حلالاً أمروا بالانتفاع به وأخذه حلالاً طيباً .
كما أن الآية سبعين من الأنفال تؤيد أن القتل للأسرى لم يكن حكماً صادراً على جميع الأسرى بدليل ما جاء بها من مخاطبتهم عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يا أيها النبى قل لمن فى أيديكم من الأسرى إن يعلم الله فى قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم "
وكان العباس رضى الله عنه من هؤلاء وكان يقول : ما أحب أن هذه الآية لم تنزل فينا وأن لى الدنيا.
فقد قال تعالى : " يؤتكم خيراً مما أخذ منكم " فقد أعطانى خيراً مما أخذ منى مائة ضعف وقال تعالى : " ويغفر لكم "
وأرجو أن يكون قد غفر لى
وقال على بن أبى طلحة فى هذه الآية : كان العباس أسر فى يوم بدر ، فافتدى نفسه بأربعين أوقية من الذهب وقال العباس حين قُرِأَت هذه الآية :
لقد أعطانى الله عز وجل خصلتين ، ما أحب أن لى بهما الدنيا ..
-أنى أُسِرْت يوم بدر ففديت نفسى بأربعين أوقية فأتانى الله أربعين عبداً
-وإنى لأرجو المغفرة التى وعدنا الله بها
---
وقيل فى تصديق ما جاء فى هذه الآية الكريمة
" يؤتكم خيراً مما أُخِذَ منكم .. "
بعث ابن الحضرمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من البحرين ثمانين ألفا ، ما جاءه مال أكثر منه لا قبل ولا بعد ، فنثرت على حصير ونُودِى للصلاة وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فمثل قائماً على المال وجاء أهل المسجد .. فما كان يومئذ عدد ولا وزن ما كان إلا فيضاً .
وجاء العباس بن عبد المطلب فحثى (وضع) فى خميصة (رداء) عليه وذهب يقوم فلم يستطع فرفع رأسه فقال : يا رسول الله أرفع علىَّ ، فتبسم الرسول حتى خرج ضاحكه ، وقال له :
" أعد من المال طائفة وقم بما تطيق " ففعل وجعل العباس يقول وهو منطلق : أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزنا وما ندرى ما يصنع بالأخرى ، ثم قال :
هذا خير مما أُخِذَ منا .
فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم ماثلاً على ذلك المال حتى ما بقى منه درهم وما بعث إلى أهله بدرهم ، ثم أتى الصلاة فصلى .
---
وجاء فى صحيح البخارى بخصوص هذا المال الوارد من البحرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " انثروه فى مسجدى " وكان أكثر مال أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إلى الصلاة ولم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحداً إلا أعطاه ، إذ جاءه العباس فقال : يا رسول الله أعطنى فإنى فاديت نفسى وفاديت عقيلاً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذ " فحثى فى ثوبه ثم ذهب يقله (أى يقوم به) فقال يا رسول الله : مر بعضهم يرفعه إلىَّ ، قال الرسول : " لا "
قال : فارفعه أنت علىّ ، قال الرسول : " لا "
فنثر منه ثم أحتمله على كاهله ثم أنطلق فما زال الرسول يتبعه بصره حتى خفى عنه عجباً من حرصه، فما قام رسول الله وثَمَّ منها درهم.
(رواه البخارى)
لمحة خاطفة عن حديث الإفك :
نرجئ الحديث عنه إلى حين يأتينا شرف الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها .
لكن يلزم الوقف هنا وقفة قصيرة نلتقط فيها صورة خاطفة عن خلق الصديق .. عن غضبه .. عن حلمه .. عن صفحه .. عن سخائه .. عن منزلته من ربه .. عن تكريم الله له وخطابه بأجمل أسلوب..
كان مصلح بن أثاثة من أقرباء أبى بكر الذين يصلهم بما آتاه الله من سخاء من مال ولكنه شارك فى حديث الإفك وكان من الناقلين لهذا الكذب والافتراء على أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها ، فلما ظهرت براءتها فى قرآن يُتْلَى أقسم أبو بكر أن يقطع عنه المعونة التى كان يصله بها فنزل قول الله تعالى :
" ولا يأتَلِ أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربة والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم " النور / 22
ولنتأمل فى هذا الأدب الذى أراده الله تعالى للصديق .. ولعباده المؤمنين
رغم أن الله تعالى قال فى هؤلاء المروجين الناقلين للإشاعات الكاذبة
" لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذى تولى كبره منهم له عذاب عظيم "
النور / 11
أى أن الله تعالى أصدر حكماً بالعقوبة ووثقها بالتصديق الإلهى على كل من شارك فى هذا الحديث الكاذب وتوعد الله الذى تولى معظم هذا الحديث وأشاع هذا الافتراء والبهتان وهو رأس النفاق ابن سلول بالعذاب العظيم فى الآخرة
أما مسطح فقد أقيم عليه الحد فضرب ثمانين جلدة لكن اللفتة الإلهية السامية هى أن الله تعالى لم يرضى لأبى بكر أن يقطع أعانته عن مسطح . لماذا؟
- أهي الرحمة التى أراد الله أن تتسع لجميع المؤمنين رغم ما يقترفون من أخطاء
- أهو فضل الله على أبى بكر برفع درجته أعلى وأعلى وتشريفه بوصفه من (أولى الفضل والسعة) فى قرآن يتلى إلى ما شاء الله
- أهو بسط ساحة العفو والصفح والجمع بين الأمر به فى قوله : "وليعفوا وليصفحوا" وبين الترغيب فيه بهذا التعبير الإلهى الرقيق غاية الرقة .. اللطيف غاية اللطف والذى يكشف عن مدى تعامل الله مع عباده بصفات جماله فى قوله : " ألا تحبون أن يغفر الله لكم ؟ " فنجد صفات الجلال تعانق صفات الجمال فى هذا الأسلوب الإلهى المعجز ؟!
ولنتأمل فى هذه الآية التى احتشدت فيها هذه الأساليب المختلفة من نهى .. إلى أمر .. إلى تشويق وترغيب فى تناغم عجيب لا يصدر إلا عن الله تعالى
" ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة " أسلوب نهى
" أن يؤتوا أولى القربة والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله
" وليعفوا وليصفحوا … " أسلوب أمر
" ألا تحبون أن يغفر الله لكم … " أسلوب استفهامى للترغيب والتشويق
" والله غفور رحيم ." القرار النهائى أسلوب تقرير بالقرار النهائى لله
---
فيجيب أبو بكر على الفور : " بلى أحب أن يغفر الله لى "
وهل هناك إجابة غيرها يمكن أن تقال فى هذا المقام السابق
فأعاد النفقة إلى مسطح وكفر عن يمينه وقال : " والله لا أنزعها منه أبداً "

ومن سور إنفاقه فى سبيل الله :
أنه حمل كل ماله فى الهجرة إلى المدينة.
عن أسماء رضى الله عنها قالت : " لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر معه أحتمل أبو بكر ماله كله خمسة آلاف درهم أو ستة آلاف درهم فأنطلق بها معه ، فدخل علينا جدى أبو قحافة وقد ذهب بصره وقال :
والله إنى لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه ، قلت كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيراً كثيراً . قالت وأخذت أحجاراً فوضعتها فى كوة فى البيت الذى كان أبى يضع ماله فيه ، ثم وضعت عليها ثوباً ، ثم أخذت بيده فقلت : يا أبتِ ضع يدك على هذا المال ، فوضع يده عليه ، فقال : لا بأس إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن ، وفى هذا بلاغ لكم (أى ما يكفى لإطعامكم)
ولا والله ما ترك لنا شيئاً ، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك "
وعن الحسن البصرى :
أن أبا بكر الصديق رضى الله عنه أتى النبى صلى الله عليه وسلم بصدقته فأخفاها فقال : يا رسول الله هذه صدقتى ، ولله عز وجل عندى معاد (أى سأعود للتصدق).
وجاء عمر رضى الله عنه بصدقته فأظهرها فقال : يا رسول الله هذه صدقتى ولى عند الله معاد.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" يا عمر وترت قوسك بغير وتر ، ما بين صدقتكما كما بين كلمتيكما "
ويبدو الفارق فى التعبيرين إذ بدأ أبو بكر بتقديم الله فقال : ولله عز وجل عندى معاد ، بينما قال عمر رضى الله عنه : ولى عند الله معاد.
الأمر الثانى أن أبا بكر أخفى صدقته ، وأن عمر رضى الله عنه أظهرها وهناك فارق بين الصدقة فى السر والصدقة فى العلن. وإن كان فى كل منهما خير .
كما يبدو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلحظ منافسات عمر رضى الله عنه وأبو بكر رضى الله عنه فى كل مجالات الخير ومنها فى الصدقات.

ومن صور إطعامه الأضياف :
أخرج مسلم (2/186) عن عبد الرحمن بن أبى بكر رضى الله عنهما قال :
نزل علينا أضياف لنا وكان أبى يتحدث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فأنطلق أبى وقال : يا عبد الرحمن أفرغ من أضيافك (أطعمهم وقدم لهم ما يحتاجونه) فلما أمسيت جئنا بقراهم (الطعام) فأبوا وقالوا : حتى يجىء أبو منزلنا فيطعم معنا فقلت لهم إنه رجل حديد (شديد الغضب) وإنكم إن لم تفعلوا خفت أن يصيبنى منه أذى ، فأبوا ، فلما جاء لم يبدأ بشىء أول منهم فقال :
أفرغتم من أضيافكم ؟ أى هل أطعتم أضيافكم ؟
قالوا : لا والله ما فرغنا ..
قال أبو بكر : ألم آمر عبد الرحمن ..؟
وتنحيت عنه (أى اختفيت بعيداً عنه)
فقال أبو بكر : يا عبد الرحمن .. فتنحيت عنه
فقال يا غنثر (الثقيل الوخم) أقسمت عليك إن كنت تسمع صوتى إلا جئت
قال : فجئت فقلت والله ما لى ذنب هؤلاء أضيافكم .. فسلهم ؟
قد أتيتهم بقراهم فأبوا أن يطعموا حتى تجئ
قال أبو بكر للأضياف :
ما لكم ألا تقبلوا عنا قراكم فوالله لا أطعمه الليلة فقالوا : فوالله لا نطعمه حتى تطعمه .
فقال أبو بكر : ما رأيت شراً كالليلة قط ، ويلكم ما لكم ألا تقبلوا عنا قراكم
ثم بعد أن هدأ قال : أم الأولى (أى الحلف الذى صدر منه) فمن الشيطان ،
هلموا إلى الطعام فجئ بالطعام فسمى فأكل وأكلوا فلما أصبح غدا على النبى صلى الله عليه وسلم فقال بعد ما أخبره : يا رسول الله بروا وحنثت فقال الرسول بل أنت أبرهم وأخيرهم
قال الراوى : ولم تبلغنى كفارة عن قسم أبى بكر .
وكان الصديق لا يسأل الناس شيئاً وربما سقط الخطام من يده ، فيضرب بذراع ناقته فينيخها ، فيأخذه فإذا قيل له أفلا أمرتنا فناولكه قال إن حبيبى صلى الله عليه وسلم أمرنى ألا أسأل الناس شيئا
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" من تكفل لى ألا يسأل الناس شيئا ، أتكفل له بالجنة "

وعن زهده :
حدث زيد بن أرقم رضى الله عنه قال :
كنا مع أبى بكر رضى الله عنا فاستسقى ، فأُتي بماء وعسل ، فلما وضعه على يده بكى وأنتحب ، حتى ظننا به شيئاً ولم نسأله عن شيئ ، فلما فرغ قلنا :
يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما حملك على هذا البكاء ، قال :
بينما أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رأيته يدفع عن نفسه شيئاً ولا أرى شيئاً فقلت : يا رسول الله ما الذى أراك تدفع ولا أرى شيئاً ، قال :
" الدنيا تطولت لى فقلت إليكِ عنى " ، فقالت : أما إنك لست بمدركى
قال أبو بكر فشق ذلك على وخشيت أن أكون قد خالفت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولحقتنى الدنيا

وعن ورعه :
حدث محمد بن سيرين قال : لم أعلم أحداً استقاء من طعام أكله غير أبى بكر رضى الله عنه .

الميزان الذرى :
روى أنه كان لأبى بكر رضى الله عنه مملوك يغل عليه فأتاه ليلة بطعام فتناول منه لقمة ، فقال له المملوك : ما لك كنت تسألنى كل ليلة ولم تسألنى الليلة ، قال أبو بكر : حملنى على ذلك الجوع ، من أين جئت بهذا ؟ قال المملوك : مررت بقوم فى الجاهلية ، فرقيت لهم فوعدونى ، فلما أن كان اليوم مررت بهم فإذا عرس فأعطونى
وطبعاً اشتبكت اللقمة الحرام مع ورع سيدنا أبى بكر
فقال : أف لك ، كدت أن تهلكنى ، فأدخل يده فى حلقه فجعل يتقيأ ، وجعلت لا تخرج ، فقيل له إن هذه لا تخرج إلا بالماء .
فدعا بطست من ماء فجعل يشرب ويتقيأ حتى رمى بها
فقيل له : يرحمك الله ، كل هذا من أجل هذه اللقمة
قال : لو لم تخرج إلا مع نفسى لأخرجتها ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به "
فخشيت أن ينبت شئ من جسدى من هذه اللقمة .
أخرجه أبو نعيم فى الحلية 1/31 عن زيد ابن أرقم
ولابد هنا من وقفة تأمل تكشف لنا عن شئ من حقيقة الإيمان الذى كان رابضاً كالأسد فى صدر أبى بكر رضى الله عنه ، حتى فى الوسط الذى كان يعيش فيه الصديق كان هناك أناس لا يرون فى مثل هذه اللقمة شيئاً يستحق ما فعله أبو بكر بنفسه ، لكنه التصديق اليقينى بالرسول والرسالة وأن الرسول لا ينطق عن الهوى وإلا فإنه يمكن أن تبتلع أشياء كثيرة وخلفها المهضمات.

فى صلح الحديبية :
تشدد سهيل بن عمرو فى مسائل يتساهل النبى فى قبولها وخاصة وكان المسلمون من حول النبى يسمعون أمر هذه المحادثات ويضيق بعضهم بأمرها صبراً ، وكان الممثل لهؤلاء الضائقين بل الذى كان فى الذروة منهم هو عمر بن الخطاب رضى الله عنه . فقد ذهب فى أعقاب المحادثات إلى أبى بكر رضى الله عنه ودار بينهما هذا الحديث الذى يبدو فيه ما يقترب من نفاذ الصبر
عمر : يا أبا بكر ، أليس برسول الله ؟
أبو بكر : بلى
عمر : أو لسنا بالمسلمين
أبو بكر : بلى
عمر : فعلام نعطى الدنية فى ديننا ؟
أبو بكر : يا عمر الزم غرزك (مكانك) فإنى أشهد أنه رسول الله .
عمر : وأنا أشهد أنه رسول الله !
وإن الإنسان ليعجب لنتيجة هذا الحوار ، الشهادة واحدة .. ولكن رد الفعل مختلف ، فريق تتغلب عليه الحمية الإيمانية فيكون رد الفعل لديه هو ما عبر عنه عمر
وأبو بكر لا تنقصه هذه الحمية فهى لا تقل بأى حال عما يوجد وعما يحس به الفريق الأول ، ولكن يضاف إليها شئ أخر : إنه الميزان الذرى القائم فى قلب أبى بكر ، يشير إلى اليقين الكامل الذى ليس به ذرة من شك فمحمد هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أدرى بما يقول وما يفعل ، لأنه هو المبلغ عن الله ، وهو لا ينطق عن الهوى
إن أبا بكر لا يستطيع أن يقول ما قاله عمر ، ليس لعجزه عن القول أو لنقص فى الحمية الإيمانية ولكن لأنه يرى فى هذا القول تجاوزاً عبر عنه بقوله : يا عمر الزم غرزك أى الزم رحلك أو بعباراتنا نحن : الزم حدك
فإنى أشهد أنه رسول الله .
ولم تمحُ هذه الإجابة ما بصدر عمر من ضيق فانقلب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرر نفس الكلمات التى ذكرها لأبى بكر ، وليس عجيباً أن تكون إجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هى نفسها التى بعثت طمأنينة فى قلب أبى بكر فمنعته أن يقبل ما قاله عمر
قال الرسول لعمر : أنا عبد الله ورسوله ، لن أخالف أمره ولن يضيعنى
وهى فى التحليل النهائى لمضمونها نفس إجابة الصديق (الزم غرزك يا عمر فإنى أشهد أنه رسول الله)
---
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف عن يقين هذه الحقيقة فى قلب أبى بكر .
مر أبو سفيان أمام مجموعة ممن كانوا مستضعفين بمكة منهم بلال - وعمار - وصهيب فقالوا إن سيف الله لم يأخذ حقه من عنق هذا المنافق وسمعهم أبو بكر فقال لهم :
أتقولون هذا على شيخ قريش ؟!
ومضى أبو بكر فى طريقه … مشهد عادى وكلمة عابرة صدرت عن الصديق .. لكن الميزان الذرى الذى تحرك فى قلبه دفعه إلى أن يذهب على الفور إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويروى له ما سمع وما قال .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : لعلك أغضبتهم يا أبا بكر
إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت الله ..
فعاد إليهم يستسمحهم ويسترضيهم حتى سمع منهم ما يرضيه وأنهم رضوا عنه .
ماذا قال أبو بكر بموازيننا نحن العادية أو حتى بموازيننا الذهبية ؟
أما بميزان أبى بكر فالأمر جد دقيق.
--
هذه هى درجة الصديقية التى جعلت أبا بكر يبكى حينما سمع قول الرسول عليه السلام يتلو على الناس قول الله تعالى :
" اليوم أكملت لكم دينكم ، وأتممت عليكم نعمتى ،
ورضيت لكم الإسلام دينا " المائدة 3
فقد أحس أن النبى صلى الله عليه وسلم قد أقترب أجله وأوشك أن يلحق ربه هذه هى درجة الصديقية التى جعلت الرسول عليه السلام يأمر أن تقفل جميع الأبواب المؤدية إلى المسجد إلا باب أبى بكر ويقول :
" إنى لا أعلم أحداً كان أفضل فى الصحبة عندى يداً منه ، وإنى لو كنت متخذاً من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة وإخاء إيمان حتى يجمع الله بيننا "
هذه الحساسية الإيمانية الرهيفة إلى أقصى حدود الرهافة هى الميزان المعلق فى صدر أو قلب أبى بكر ، فلا تُفلِت كلمة أو شئ دون أن تُعْرَض وتمر على هذا الميزان ..
وأبو بكر الصديق لم يكن ليبحث لنفسه عن مبرر أيَّاً كان ومهما كان قبل أن يعرضه على هذا الميزان فى حيدة كاملة وكأنه يقف أمام ربه للحساب ، بل لعل هذه هى حقيقة أبى بكر وهذا هو ميزانه الذى لا يملك هو نفسه أن يغير فيه شيئاً أو يسقط من حسابه أى شئ وقد ورد هذا الميزان فى كتاب الله فى قوله تعالى :
" فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره "
هل عرفت البشرية هذا الميزان فى معاملاتها فى الذهب أو فى الأحجار الكريمة أيا كانت قيمتها ونفاستها ، عرفنا الوزن بالكيلو وبالجرام وبالدرهم وبأجزاء الدرهم فى الأشياء المادية ذات القيمة العالية ولم نصل بعد إلى الوزن بمثقال الذرة . فهل وصلنا فى الأخلاقيات والإيمانيات والمعتقدات إلى شئ من هذه الموازين ؟ هل وصلنا إلى وزنها بأجزاء الدرهم وبأجزاء الجرامات ؟ إن أبا بكر رضى الله عنه وصل فى محاسبة نفسه إلى هذا الميزان الذرى بفطرته السليمة وقلبه السليم النقى المعد لإقامة هذا الميزان فيه ، مع الإيمان الذى لا يعتريه أدنى شك بالرسالة وبالرسول المبلغ عن الله تعالى ، الإله الواحد الأحد المتفرد بكل صفات الجلال والجمال ، والإيمان بالرسول الذى لا ينطق عن الهوى فى كل ما يفعل و يقول ولذلك جاء فى الحديث ..
" ما سبقكم أبو بكر فى صلاة أو صيام .. لكن بشئ وقر فى قلبه "
هذه الصديقية هى التى جعلت الرسول عليه السلام حين ضعف عن الخروج للصلاة يقول : " مُرُو أبا بكر فليصل بالناس "
قالت عائشة رضى الله عنها : إن أبا بكر رجل رقيق ضعيف الصوت كثير البكاء ، إذا قرأ القرآن
قال الرسول عليه السلام مرة أخرى : " مرو أبا بكر فليصل بالناس "
وكررت السيدة عائشة ما قالته
فقال الرسول : " إنكن صواحب يوسف .. مروه فليصل بالناس "
ونلحظ أن السيدة عائشة كانت تعرض وتقدم بعض الصفات الصديقية بلا قصد وهى تعتذر عن أبيها .
هذه الصديقية هى التى جعلت الرسول لا يقبل أن يصلى بالمسلمين أحد إلا أبو بكر الصديق.
دعا بلال إلى الصلاة ، وطلب من عمر أن يصلى بالناس مكان أبى بكر ، وكان عمر جهير الصوت فلما كبر سمعه الرسول فقال :
" فأين أبو بكر ، يأبى الله ذلك والمسلمون "
ضجيج كضجيج الحجيج :
عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال أبو بكر اليوم قد فقدنا الوحى ومن عند الله عز وجل الكلام .
أخبرت عائشة رضى الله عنها أن أبا بكر أقبل على فرس من سكنه (بالسنح) حتى نزل فدخل المسجد ، فلم يكلم الناس ، فدخل على عائشة ، فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مغطى بثوب فكشف عن وجهه ثم أكب عليه وقبله وبكى ثم قال : بأبى أنت وأمى ما أطيبك حياً وميتاً والله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتى التى كتبت عليك فقد متها ثم خرج وعمر يكلم الناس وقال : أجلس يا عمر .. أما بعد ( من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت ، قال الله تعالى "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ، وسيجزى الله الشاكرين" آل عمران/144)
فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر. فتلاها الناس كلهم منه ، فما اسمع بشرا من الناس إلا يتلوها ، وقال عمر : والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرقت حتى ما تقلنى رجلاى وحتى هويت إلى الأرض .
وهكذا استقبل أبو بكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيقين وثبات أعاد لعمر بن الخطاب رضى الله عنه وللناس زمام السيطرة على النفس فى هذا الموقف الفاجع الأليم لوفاة نبيهم خاتم المرسلين. وسُمِعَ لأهل المدينة ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أهلوا جميعاً بالإحرام .

بيعة أبى بكر فى الثقيفة :
قال عمر بن الخطاب : إنه كان من خبَّرَنَا حين توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا فى بيت فاطمة بنت رسول الله وتخلف عنها الأنصار بأجمعها فى ثقيفة بنى ساعدة واجتمع المهاجرون إلى أبى بكر فقلت له : يا أبا بكر أنطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ، فانطلقنا نؤمهم حتى لَقِيَنَا رجلان صالحان فذكرا لنا الذى صنع القوم فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ، قال عمر : نريد إخواننا الأنصار .
فقالا : لا عليكم ألا تقربوهم واقضوا أمركم يا معشر المهاجرين
قال عمر : والله لنأتينهم ، فانطلقنا حتى جئناهم فى ثقيفة بنى ساعدة ، فإذا هم مجتمعون ، وإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل (مغطى) فقلت : من هذا ؟
قالوا : سعد بن عبادة . قلت : ما له ؟
قالوا : وجع (مريض)
فلما جلسنا قام خطيب الأنصار فأثنى على الله بما هو أهله وقال :
أما بعد .. فنحن أنصار الله .. وكتيبة الإسلام .. وأنتم يا معشر المهاجرين رهط نبينا (أهل نبينا) . وقد دفت دافة منكم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ويغصبونا الأمر (يعرض بالمهاجرين أنهم جاءوا من مكة إلى المدينة ويريدون اغتصاب الخلافة من أهل المدينة) وسكت خطيب الأنصار بعد أن أفصح عن نيتهم فى إسناد الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى واحد منهم . وأراد عمر بن الخطاب أن يتكلم بعد خطيب الأنصار لكن أبا بكر أستوقفه وقال له : على رسلك يا عمر .
يقول عمر فكرهت أن أغضبه فتكلم ، وكان أحكم منى وأوقر ، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتنى مما كنت سأقوله مما أعددته ونمقته مسبقاً إلا قالها فى بديهته أو أفضل حين سكت.
فقال أبو بكر : أما بعد .. فما ذكرتم من خير فأنتم أهله ، ولكن ما تعرف العرب هذا الأمر (الإمارة) إلا لهذا الحى من قريش ، فهم أوسط العرب نسباً ودارا (أى أشرفهم نسباً وأشرفهم بلدة وهى مكة) وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيهما شئتم ، وأخذ بيد عمر وبيد أبى عبيدة بن الجراح .
يقول عمر بن الخطاب : لم أكره شيئاً مما قال غيرها (أى ترشيحه له) كان والله أن أقدم فتضرب عنقى لا يقربنى ذلك إلى أثم أحبَّ إلىَّ أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر .
فقال قائل من الأنصار فيما قال :
منا أمير ومنكم أمير .. ، ورد عليه أبو بكر بأنه لا يمكن الجمع بين سيفين فى غمد واحد ، وكثر اللغط وارتفعت الأصوات وخشى عمر الفرقة والإختلاف من تبادل الكلمات أخذاً وردا فحسم الأمر وقال لأبى بكر : أبسط يدك يا أبا بكر ، فبسط أبا بكر يده فبايعه عمر وبايعه المهاجرون ثم الأنصار وداسوا فى زحمة المبايعة سعد بن عبادة مرشح الأنصار .
وقال قائل من الأنصار قتلتم سعداً . فقال عمر : قتل الله سعدا .
ويعقب عمر بقوله : والله ما وجدنا فيما حضرنا أمراً هو أرفق من مبايعة أبى بكر .. خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يحدثوا بعدنا بيعة ، فإما أن نبايعهم على ما لا نرضى وإما أن نخالفهم فيكون فساد . فمن بايع أميراً عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له ولا بيعة لمن بايعه خوفاً من القتل .
لقد كان أبو بكر فى هذا الموقف حكيماً وحليماً يذكرنا بأسلوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى معالجته لما يحدث من خلاف ، فهو يستميل الأنصار بذكر فضلهم وهذا حق لا خداع فيه ثم يعرض الرأى الصائب الذى يقبله المنطق والعقل السليم فقد قال لهم أبو بكر مما قال :
يا معشر الأنصار إنا والله ما ننكر فضلكم ولا منزلتكم فى الإسلام ولا حقكم الواجب علينا ولكنكم عرفتم أن هذا الحى من قريش بمنزلةٍ من العرب ليس بها غيرهم ، وإن العرب لن تجتمع إلا على رجل منهم فنحن الأمراء وأنتم الوزراء فاتقوا الله ولا تصدعوا الإسلام ولا تكونوا أول من أحدث فى الإسلام شيئاً .
وبعد هذه الكلمات الواضحة الرقيقة التى تقر بالحق لأصحابه والتى تحذر من الفتنة والخلاف يقول أبو بكر : ألا وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ويرفع يد عمر ويد أبى عبيدة مما يظهر الصديق لكل الحاضرين فى هذا الاجتماع ما هو عليه من إيثار وأنه لا يريدها لنفسه وهذه هى حقيقة الصديق وليست أسلوباً مفتعلاً لأخذ الأصوات إلى جانبه هو لأن تاريخه معروف للجميع ، لذلك يكون الموقف كله إلى جانبه حينما يقول له عمر أبسط يدك ويبايعه يتزاحم الحضور على مبايعته مهاجرين وأنصارا وتتم له البيعة ويجنب الله المسلمين شر الشقاق والفتنة فى هذه المناسبة التى كانت مهيأة لها .

تقديم الصحابة أبا بكر :
بعث أبو بكر إلى أبى عبيدة رضى الله عنهما : هلم أستخلفك ، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" إن لكل أمة أمينا وأنت أمين هذه الأمة "
قال أبو عبيدة : ما كنت لأتقدم رجلاً أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمنا .
وقال عثمان بن عفان : إن أبا بكر الصديق أحق الناس بالخلافة
إنه لصديق .. وثانى أثنين .. وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

اعتذار أبى بكر عن الخلافة :
خطب أبو بكر الناس فقال : (والله ما كنت حريصاً على الإمارة يوما ولا ليلة قط .. ولا كنت فيها راغباً ولا سألتها الله فى سر ولا علانية ولكنى أشفقت من الفتنة .. ومالى فى الإمارة من راحة ولكنى قُلِّدْتُ أمرا عظيماً مالى به طاقة ولا يد إلا بتقوية الله عز وجل .. ولا وددت أن أقوى الناس عليها مكانى اليوم.)
فقبل منه المهاجرون ما قال وما اعتذر به وقال على والزبير ما غضبنا إلا لأننا أخرنا عن المشاورة وإنا نرى أن أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إنه لصاحب الغار .. وثانى أثنين .. وإنا لنعرف شرفه وكبر سنه ولقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة وهو حى .

أبو سفيان يحرض على الفتنة :
لما بويع أبو بكر جاء أبو سفيان إلى على فقال : أغلبكم على هذا الأمر أقل بيت فى قريش ؟ أما والله لأملأنها خيلاً ورجالاً إن شئتُ
قال على رضى الله عنه ما زلت عدواً للإسلام وأهله .. فما ضر ذلك الإسلام وأهله شيئاً .. إنا رأينا أبا بكر لها أهلاً ..
وخالد بن سعيد أيضاً ..
كان خالد بن سعيد بن العاص باليمن زمن النبى صلى الله عليه وسلم .. وتوفى النبى وهو بها .. وقدم بعد وفاته بشهر وعليه جبة من حرير .. فلقى عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهما.
فصاح عمر بمن يليه قائلاً : مزقوا عليه جبته .
فقال خالد : يا أبا الحسن .. يا بنى عبد مناف أغُلِبْتُم عليها ؟!
فقال على : أمغالبة ترى أم خلافة ؟
قال : لا يغالب على هذا الأمر أحداً أولى منكم يا بنى عبد مناف
قال عمر لخالد : فضَّ الله فاك .. والله لا يزال كاذب يخوض فيما قلت ..
ثم لا يضر إلا نفسه .
هذه نماذج لإناس بدءوا يجسون نبض المجتمع الإسلامى ليعرفوا مدى استعداده للفتنة ، يحرضون عليها ويتصلون بمن يظنون أنهم يرضون عن هذا الاتجاه ويسايرونه فلا يجدون منهم إلا السخرية وكشف مآربهم ولا يسمعون منهم إلا الدعاء عليهم أن يفض الله أفواههم ويريح منهم .
أبو بكر يحاول رد الخلافة على المسلمين :
قال أبو بكر : ( يا أيها الناس إن كنتم ظننتم أنى أخذت خلافتكم رغبة فيها ، أو إرادة استئثار عليكم وعلى المسلمين فلا .. والذى نفسى بيده .
ما أخذتها رغبة فيها ولا استئثار عليكم ولا على أحد من المسلمين ولا حرصت عليها ليلةً ولا يوماً قط .. ولا سألت الله سراً ولا علانية ولقد تقلدت أمراً عظيماً لا طاقة لى به إلا أن يعين الله .. ولوددت أنها إلى أى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يَعْدِلَ فيها فهى إليكم رد ولا بيعة لكم عندى .. ["الكنز 3/131 "] فادفعوا لمن أحببتم فإنما أنا رجل منكم فقاموا إليه فقالوا :-
يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. أنت والله خيرنا) الكنز 3/135
المبادئ التى أعلنها :
خطب الناس أول خلافته فقال : أيها الناس إنما أنا مثلكم ، وإنى لا أدرى لعلكم ستكلفوننى ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق ، إن الله اصطفى محمداً على العالمين وعصمه من الآفات وإنما أنا متبع ولست بمبتدع ..
فإن استقمت فتابعونى .. وإن زغت فقومونى ..
إن الله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما أريد به وجهه فأريدوا الله بأعمالكم.. اعتبروا عباد الله بمن مات منكم .. وتفكروا فيمن كلن قبلكم ..
أين كانوا أمس .. وأين هم اليوم ..
أين الجبارون .. أين الذين كان لهم ذكر القتال والغلبة فى مواطن الحروب
أين الملوك الذين أثاروا الأرض وعمروها .. إن الله قد أبقى عليهم التبعات وقطع عنهم الشهوات .. ومضوا والأعمال أعمالهم والدنيا دنيا غيرهم ..
ألا إن الله لا شريك له .. ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيراً ولا يصرف عنه به سوءاً .. إلا بطاعته واتباع أمره ..
واعلموا أنكم عبيد مدينون .. وأن ما عنده لا يدرك إلا بطاعته ..
لا خيرَ بخيرِ بعده النار ..
أيها الناس إن أكيس الكيس التقوى .. وإن أحمق الحمق الفجور
وإن أقواكم عندى الضعيف حتى آخذ له بحقه ..
وإن أضعفكم عندى القوى حتى آخذ منه الحق ..
رياح الإبتلاءات :
كان لابد من أن يواجه الخليفة الأول للمسلمين مهام عمله ورياح الإبتلاءات تهب على الساحة الإسلامية من جميع جوانبها ..
كانت تلك الاختبارات شديدة على المسلمين كافة .. ولكنها كانت على الخليفة الأول أشد .. لأنه كان فى القلب منها .. وقد رأينا مدى خزن المسلمين لفقر نبيهم .. وماذا فعل ذاك الحزن برجل قوى مثل عمر ..
ورأينا الإعصار الذى هب على ثقيفة بنى سعد .. وكيف عبر بسلام وإن بقى فى نفوس القلة شئ ..
ورأينا محاولات الإيقاع بين كبار الصحابة من المسلمين الأوائل ..
وكيف تنبه لها وعصمهم الله تعالى من الوقوع فى مهاويها
وكيف كبت الله الساعين إليها ولو إلى حين يطول أو يقصر .. طبقاً لما يشاء الله ويختار فبقيت ناراً تحت رماد يحتاج ليقظة دائمة وعمل دءوب لمنع الرياح.. رياح الفتنة أن تصل إليه فتذروه ..
وقد فطن الخليفة الأول لكل ذلك وأشار إليه .. ولكنه أصر على مواجهة اختبارين فى وقت واحد ..
1- بعث أسامة 2- مواجهة الردة
فقد حدث هشام بن عروة عن أبيه قال :
لما بويع أبو بكر ضرى الله عنه وجمع الأنصار الأمر الذى افترقوا فيه قال :
" ليتم بعث أسامة ..
وقد ارتدت العرب إما عامة وإما خاصة فى كل قبيلة .. ونجم النفاق "
واشرأبت اليهود والنصارى .. والمسلمون كالغنم فى الليلة المطيرة الشاتية لفقد نبيهم وقلتهم وكثرة عدوهم ..
فقال له الناس : إن هؤلاء معظم المسلمين والعرب على ما ترى قد انتقدت به فليس ينبغى لك أن تُفِرقَ عنك جماعة المسلمين ..
فقال أبو بكر : والذى نفس أبى بكراً بيده لو ظننت أن السباع تتخطفنى لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله عليه الصلاة والسلام ولو لم يبق فى القرى غيرى ..
أليس هذا ابتلاءً شديداً لأبى بكر ؟
- إشارة إلى عظم الانتقاد وأنه يشمل جُلَّ المسلمين والعرب .
- محاولة تخويفه وتروعيه من تفرق جماعة المسلمين عنه .
كل ذلك لعجم عوده واختبار صلابته .. فهل كان عليه أن يرضخ ويستكين لهذه المحاولات ؟
لو أنه رضخ لما كان هو بعينه أبا بكر ثانى اثنين وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغار ومن أصر الرسول على أن يؤم المسلمين فى غيبته دون أحد سواه .. بل أشار له الرسول عليه السلام أن يبقى مكانه فى الصلاة إماماً للمسلمين وللرسول بعد حضوره للصلاة .. ولكن أبا بكر رفع يديه شاكراً الله لهذه النعمة وتأخر ليؤم الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً كلمته الشهيرة بعد أداء الصلاة :
" ما كان لابن أبى قحافة أن يتقدم بين يدى رسول صلى الله عليه وسلم "
فليس عجيباً من أبى بكر إذن أن يصر على بعث أسامة حتى ولو تخطفته السباع .
وقد سبق لأسامة حين علم بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أن توقف برجال جيشه الذين لم يجاوز أخرهم الخندق .. وقال لعمر :
" ارجع إلى خليفة رسول الله فاستأذنه يأذن لى أن أرجع بالناس .. "
وكان ذلك حرصاً من أسامة على البقاء فى المدينة للدفاع عنها خوفاً من مهاجمة المشركين لآل بيت النبى والمسلمين فى غيبة الجيش ..
وكان أسامة على حق فى هذه الحيطة والحذر .. كما حمَّل الأنصار رسالة أخرى مع عمر يبلغها للخليفة الأول للمسلمين قالوا فيها :
" فإن أبى إلا أن نمضى فأبلغه عنا واطلب إليه أن يولى أمرنا رجلاً أقدم سناً من أسامة ..
فخرج عمر بالرسالتين ..وأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة ..
فقال أبو بكر : " لو خطفتنى الكلاب والذئاب لم أرد قضاءً قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال عمر : " فإن الأنصار أمرونى أن أبلغك وإنهم يطلبون إليك أن تولى أمرهم رجلاً أقدم سناً من أسامة "
فوثب أبو بكر وكان جالساً فأخذ بلحية عمر فقال :
" ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب "
استعمله رسول الله وتأمرنى أن أنزعه ؟!
فعاد عمر إلى الناس (أى الأنصار مع غيرهم)
فقالوا لهم : " ما صنعت "
قال عمر لهم : " امضوا ثكلتكم أمهاتكم " ما لقيت بسببكم من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وسار جيش المسلمين بقيادة أسامة .. حب رسول الله وابن حبه ، وخرج الصديق وكبار الصحابة فى وداعه .
كان أسامة راكباً وكان الصديق سائراً على قدميه ..
قال أسامة : الذى تأدب بأدب برسول الله
.. يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم لتركبن أو لأنزلن
قال الصديق الذى كان أشد أدباً : والله لا تنزل .. ولا أركب .. وما علىَّ أن أُغَبِّرَ قدمىّ ساعة فى سبيل الله ..
واستأذنه بعد وداع الجيش أن يعود بعمر لحاجته إليه .. فأذن له
ـــــــــــــــ
هذا هو الصديق ذو اليقين الذى لا شك فيه فيما يصدر عن رفيق الغار صلى الله عليه وسلم فى أحرج الأوقات وأصعبها ..
هذه الثقة الممتلئ بها قلب أبو بكر لابد لهذا القلب بأذن الله أن يضخها إلى كل من حوله من الرعية .. إلى أسامة .. إلى كل فرد فى الجيش .. إلى من بالمدينة ..
يضخها لرعيته أمناً .. ويضخها للأعداء خوفاً ورعباً ..
ولولا هذا الموقف وأمثاله من الصديق .. لازداد الأعداء استهانة ولصار المسلمون أقل شجاعة وربما أشد خوفاً .
أما من كان فى نفسه شىء على قيادة أسامة لصغر سنه فقد رأوا بأعينهم الخليفة الأول للمسلمين يسير ماشياً وأسامة راكباً .. وعرفوا أن هذا الأمر ليس مباهاة ولكنه الخروج والجهاد فى سبيل الله .
وصيته لجيش أسامه :
أيها الناس : قفوا أوصكم بعشر فاحفظوها عنى :
- لا تخونوا ولا تغلوا ..
- ولا تخدروا ولا تمثلوا
- ولا تقتلوا طفلاً صغيراً ولا شيخاً كبيراً ولا امرأة
- ولا تعقروا نخلاً ولا تحرقوه
- ولا تقطعوا شجرة مثمرة
- ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكله
- وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم فى الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له
- وسوف تقدمون على قوم يأتونك بآنية فى الطعام ألواناً فإذا أكلتم منها شيئاً بعد شئ فاذكروا اسم الله عليها
- وتلقون أقواماً قد فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها ثم العصائب فاخفقوهم بالسيف خفقاً
- اندفعوا باسم الله ..
أرأيت إلى هذه المبادئ الإسلامية فى القتال وقارنتها بما يحدث للمسلمين من غيرهم .
إن الشواهد كثيرة .. والعين بصيرة .. ولكن ……
الردة :
خرج جيش أسامة إلى تخوم (حدود) الروم وروى مؤرخو تلك الفترة عن بعثة أسامة أنها كانت لا تمر بقبيل يريدون الارتداد إلا تخوفوا وسكنوا ..
وقالوا فيما بينهم : " لولا أن المسلمين لديهم القوة الرادعة لما دفعوا بهذا الجيش"
ـــــــــــــــ
وبقى أمام الصديق أمر المرتدين وكيف يعالج هذا الأمر ..
ووقف فيها أشهر مواقفه التاريخية .. والتى لا غرابة فيها فهى امتداد لمواقفه السابقة وهى تعبر عن الصديقية التى تفرد بها .. وبالتسامى إلى قمتها من بين الصحابة أجمعين .. نقول ذلك وصفاً لها .. وليس تفضيلاً لأحد على أحد لأنهم جميعاً متكاملون متساندون يشد بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص والمختص بالتفضيل هو الله تعالى من يعلم بالسر وأخفى .
وكان لابد من قتال المرتدين .. ودار حوار حول مانعى الزكاة ..
أيجوز قتالهم عليها أم لا ؟
وقد بدت استهانة مانعى الزكاة تشيع فى أبيات شعرية تتداولها الألسنة فى مثل :
أطعنا رسول الله ما كان بيننا
فيا لعباد الله ما لأبى بكر
أيورثها بكراً إذا مات بعده
وتلك لعمر الله قاسمة الظهر
فهلا رددتم وفدنا بزمانه
وهلا خشيتم حس راعيه البكر
وإن التى سألوكم فمنعتم
لَكالتمر أو أحلى إلىَّ من التمر
ونقل لنا التاريخ هذا الحوار الذى دار بين الخليفة الأول للمسلمين وبين عمر بن الخطاب ..
كان عمر يقول : يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
تآلف الناس .. وارفق بهم ..
كيف تقاتلهم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ..
فمن قال : لا إله إلا الله فقد عصم منى نفسه وماله إلا بحقه ؟
وكان أبو بكر يقول والله لأ






احمد كمال سيد

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
ابوبكر الصديق 3
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الخفاجيه :: القصص والروايات :: قصص الصحابة-
انتقل الى: